السلف الصالح عضو مميز

العمر : 27 سجّل في : 17 أبريل 2008 عدد المساهمات : 208 رقم العضوية : 33
 | موضوع: الشباب ...بين الواقع والطموح 2/5/2008, 4:09 am | |
|
ومن أجل ذلك نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدلنا دلالة واضحة على أن كثيراً من أولئك الذين قاموا بالحق وصدعوا به كان قيامهم بذلك في مرحلة الشباب، فالله سبحانه عندما حكى قصة إبراهيم u وإنكاره عبادة الأصنام على قومه وتحطيمه لهذه الأصنام ذكر في المقاولة التي جرت بين قومه فيمن حطم الأصنام، فحكى عنهم قولهم: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لـه إِبْرَاهِيمُ) (1) وكذلك عندما تحدث عن أصحاب الكهف الذين أنكروا ما كان عليه قومهم من عبادة غير الله والتوجه إلى غيره سبحانه وتعالى في الدعاء والابتهال أتبع ذلك قوله: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)(2) وكذلك حكى الله سبحانه وتعالى قصة عبده يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(3).
كل ذلك يدل على أهمية هذا القطاع في حياة البشر، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما دعا بدعوة الحق وقام بما يجب عليه من أداء رسالة ربه إلى الخلق استجاب لـه الشباب أكثر من استجابة الشيوخ، فانظموا إلى صفه عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان الشاب منهم يلقى ما يلقاه من العنت من قبل أهليه وذويه، ويصبر لذلك رغم كل الصعوبات وكل التحديات وصنوف الإيذاء الذي يجده، وقد كان الرسول r هو القدوة لهم في صبره وجهاده وتفانيه، فوجدوا فيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما يشفي ضميرهم، ووجدوا في سيرته صلوات الله وسلامه عليه ما ينير سبيلهم فاستمسكوا بالعروة الوثقى وانطلقوا في أرجاء الأرض حاملين دعوة الحق إلى الخلق، ولم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الجبارين، ووطئوا بنعالهم على عروش المستكبرين، فأنزلوهم من عليائهم، ولكن لما فتح لهم باب الدنيا على مصراعيه لم يلتفتوا إلى حطام هذه الدنيا بل تساوى في موازينهم تبرها وترابها، وتعادل في نفوسهم عذبها وعذابها لأنهم لم يكن لهم هم إلا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)(4).
تربية الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب: ولكن كيف كانت تربية أولئك الشباب؟ ..لقد رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على القرآن والعزوف عن هذه الحياة الدنيا ومتعها، والإقبال على الدار الآخرة، والرغبة في نعيمها، والتفاني من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، وقد كان القرآن الكريم يوجههم في كل جزئية من جزئيات حياتهم ويعرفهم أن الدنيا لو كانت من ذهب وكانت الآخرة من تراب لما كانت بجانب الآخرة مع فنائها ودوام الدار الآخرة، فكيف والدنيا أرخص من التراب والآخرة أغلى من الذهب ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى)(5).
لم يكن ذلك الصنف من الشباب لـه هم فيما ينظر إليه كثير من الشباب بأنه من خصائص الشباب وذلك كمغازلة الحسان والتشبه بهن في ملامحهن وخصائصهن؛ لا! بل كان ذلك الصنف من الشباب كل همه في أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فلذلك ( كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (1 وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)(6) كانوا أسبق الناس إلى الخير وأثقلهم عن الشر، كانوا أخفهم إلى الجهاد في سبيل الله، وكانوا أثقلهم عن الاستجابة لداعي الهوى في هذه الحياة الدنيا.
وقد بهرت صفاتهم التي تحلوا بها أعداءهم فتناقلت ألسنة هؤلاء الأعداء ما كان عليهم هؤلاء الشباب من خير واستقامة وصدوع بكلمة الحق واستمساك بالعروة الوثقى واستهداء بهدي القرآن، فعندما كانت جيوش المسلمين تزحف على ممالك الروم وكان الجيش القوي؛ الجيش الروماني الذي واجه عما قريب الإمبراطورية الفارسية وهزمها، كان هذا الجيش يتساقط أمام هذا الزحف الإسلامي الذي هو أقل عدة وعدداً، وهذا الذي دعا إمبراطور الروم (هرقل) إلى الجلوس مع قادة جيشه من أجل دراسة أسباب الهزيمة التي لحقتهم من المسلمين، وعندما اجتمع بهم سألهم عن صفة هؤلاء الناس الذين واجهوهم في ميادين المعركة، فقال لـه أحدهم: «هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه». وقال آخر: «أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون(7) النبل ويروونها ويثقفون( القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر».
--------------------------- (*) هذه المحاضرة ألقاها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في جامع السلطان قابوس بولاية إبراء بتاريخ 23 من ربيع الأول 1418ه، الموافق 27 من يوليو 1997م. (1) الأنبياء/ 60 (2) الكهف/ 13 (3) مريم/ 12 (4) الحج/ 41 (5) الضحى/ 4 (6) الذاريات/ 17، 18، 19 (7) يريشون راش السهم بمعنى ألزق عليه الريش، (القاموس المحيط، الفيروزابادي،ط1، ج2/ص425 باب "ريش"). ( الثِّقاف: حديدة تسوى بها الرماح ونحوها والعدد أثقفة، وجمعه ثُقُف (ترتيب كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، ج1/ ص245 باب «ثقف») |
|
السلف الصالح عضو مميز

العمر : 27 سجّل في : 17 أبريل 2008 عدد المساهمات : 208 رقم العضوية : 33
 | |